[ سَراحُ لا شيء! (2) ]

|


|

2_ “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد 16]

حين نلقي على صحيفة قلوبنا وقد تأطرت بالذنوب وتشبّعت بالهموم من جرّاءه، فيُرانُ عليها بالبعد عن الله، وتكون كالحجارة في قسوتها أو أشد لا يُذيبها فحيح ولا يفتتها زمهرير،
حين تُحرم سعادة مَن في رحاب الله ولذة مناجاته؛
يأتي خطاب جليل على لسان مَن لمْ يبعث إلا رحمة للعالمين،  يدكّ حصون الشيطان ويُزلزل شكوكه برحمة ربِّ غفور رحيم،
مُعيداً تلك القلوب الذابلة والسعادة الموؤودة من رحلة الظلام إلى رياضٍ نظرة سمائها رضى الرحمن ورباها طاعته.

ذكَر الإمام الذهبي -رحمه الله- في كتابه سير أعلام النبلاء عن قصة توبة الفضيل بن عياض -مُجاور الحرم- (8|423):

كان الفضيل بن عياض شاطراً يَقطع الطريق بين أبِيوَرْد وسَرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تالياً يتلو: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد 16]. فلما سمعها ، قال : بلى يا رب، قد آن.

كلما مررت بين فيافيّ هذه الآية، أو همس بها أحدهم، يتردد صداها في قلبي لأستعيد ذكرياتي مع قصة توبة مجاور الحرم -رحمه الله- في صغري، وبحكم جرف الزمن للذكريات إلا أن شذرات منها ما زالت عالقة في ذهنيَ إلى الآن، وتفاصيلها نُحتت في قلبي ودامَ استحضارها!

فقط حينما تلين القلوب وتنحني لها الأذهان \ حينما نؤمن أنها كلامٌ لا هوى.. بالتدبر تُحيي -هذه الآيات- قلب مُقصّر فيرجع، ومذنب فيتوب، وغافل فيستفيق.

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟
صدقوني، ما تلبث تلك الأقفال أن تصدأ، وتُلَوِّث أيادٍ -رسم الزمان في تجاعيدها حكاياته- تُسارع في إزالتها، ومَن تسنى له قليل العمر الباقي كَفّر وعَبد ربّه حتى يأتيه اليقين.

ما دامت القلوب غضاضاً؛ لنطلق سراحها، ونُبصر أنهار الإيمان تجري في أرضه، وسَوسن الإخلاص يتراقص على ضفافه، ونُعلي في سماءه التقوى، وتغاريد “بِسْمِ اْللَّهِ اْلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” تُشنف الآذان. فلا يأس مِن عفو وغفران مَن كَتبَ على نفسه الرحمة. قال ابن القيم:
قِيل في قصة آدم وخروجه من الجنة بذَنبه:
يا آدم، لا تجزع من كأس زَلل كانت سبب كَيْسك، فقد استُخرِج بها منك داء لا يصلح أن تجاورنا به، وأُلبستَ بها حُلّة العبودية…
يا آدم، إنما ابتليتك بالذنب؛ لأني أُحب أن أظهر فضلي وجودي وكرمي على من عصاني. لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم.
يا آدم، كنتَ تدخل عليّ دخولَ الملوك على الملوك، واليوم تدخل عليّ دخولَ العبيد على الملوك.
يا آدم، إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب فعلى من أجود بحلمي؟ وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي وتوبتي وأنا التواب الرحيم؟
يا آدم، لا تجزع من قولي لك : “اخرج منها” فلك خلقتها، ولكن اهبط إلى دار المجاهدة، وابذر بذر التقوى، وأمطر عليه سحائب الجفون، فإذا اشتد الحب واستغلظ واستوى على سوقه فتعال فاحصده.
يا آدم، ما أهبطتك من الجنة إلا لتتوسل إليّ في الصعود، وما أخرجتك منها نفياً لك عنها، ما أخرجتك فيها إلا لتعود.
يا آدم، ذنب تذل به لدينا أحب إلينا من طاعة تُدِلّ بها علينا.
يا آدم، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المدلّين.

رأيتُ الذنوب تميت القلوب — وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلـوب — وخيرٌ لنفسك عصيانها

الموضوع ما كان إلا مقدمةً لهذه المحاضرة، وشيء يُخالج النفس منذ زمن :”"”"”.

اللهم يا ربي، نعوذ بكَ من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع. والأنس بقربك نرجو. وارزقنا لذة الطاعة وحلاوة الإيمان يا ربي ().

دامتم قلوبكم في رضى الله ورحمته تتنعم.

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا

2 تعليقات إلى “[ سَراحُ لا شيء! (2) ]”

  1. RaHaF يقول:

    =”"”"

    سبحانه ربٌّ كريمٌ رحيمٌ غفورٌ شكور ،

    شكراً يسرى

    3>

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.